صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

75

حركة الإصلاح الشيعي

وناقله [ إلى الآخرين ] ، والمؤتمن على تراثها الروحي « 11 » . كذلك فإنه يقال ، على صعيد المنطقة ، « السيّد الكبير » للدلالة على من يكون اعتباره هو الأعلى في الاحترام أو الأكثر علما ، إن كان من سلالة النبي طبعا . وكانت هذه العبارة مستعملة في العقد الرابع من القرن العشرين . فقد ترجمها المستشار الإداري المقيم حينها في صيدا ؛ وكان يشير بذلك إلى عبد الحسين شرف الدين ، آخذا على عاتقه الحكم بأن رجل الدين هذا كان يعتبر الزعيم الروحي في جبل عامل « 12 » . رجال دين بين العلماء والجهلاء قد ذكرنا مكانة العلوم الدينية لدى جماعة العلماء . وبالفعل ، فإن ما كان يفرق بين [ الطبقة الأولى ] منهم والطبقة الثانية ، يستند إلى سعة معرفتهم باللغة العربية وبالعلوم الدينية . وقد أصبحت هذه القسمة واضحة اليوم ، نظرا لما لحق القرن العشرين من تطور عقلاني وشكلاني : ففي قمة الهرم مرجع أو عدة مراجع ، يأتي بعدهم المجتهدون ، ثم باقي رجال الدين من صغار معتمري العمامة وطلاب العلوم الدينية . وهذا تراتب داخلي خاص بجماعة علماء الدين الشيعة ، لا يأخذ بالاعتبار الوظائف التي توليها الدولة للبعض منهم . وكان الأمر كذلك في المرحلة التي ندرس ، غير أن التراتب كان فيها أقل وضوحا وأكثر ليونة ولا سيما في جبل عامل ، حيث كان ، في الواقع ، في طور التكوين « 13 » . على أن حيازة المعرفة كان لها المكانة الأولى ؛ فلم تكن هيبة رجال الدين قائمة على قدسية مكانتهم فحسب بل على علوّ كعبهم واشتهارهم بالعلم بصورة خاصة . وكان بين من ذهب منهم إلى النجف في طلب العلم ، ثم عاد إلى البلاد بعد سنين طويلة ليستقر فيها ، وبين من درس منهم في مدارس جبل عامل فحسب ؛ فرق كبير . ولئن كان جهل بعض رجال الدين موضوع تندر بين بعض الشعراء الذين كانوا يشحذون قرائحهم بالتهكم إزاء معتمري العمائم ؛ فإن جماعة العلماء أنفسهم قد بادروا أيضا إلى جعل ذلك موضوع تهكّم ذاتي ؛ وليس أدل على ذلك مما كتبه محمد جواد مغنية ( ت 1979 م ) عن زملائه « 14 » ، أو ما يسمع من أحفاد العلماء في ذكر معاصري أجدادهم . وعلى أي حال فإن رجال الدين ما زالوا إلى اليوم يهزأون صراحة من هفوات زملائهم ، أو يتهكمون على ما يتوهمه البعض من سعة علم فلان أو

--> ( 11 ) . وقد يكون في الأسرة الواحدة عدة علماء ، يسمّى كلّ واحد منهم « سيّدا » . ( 12 ) . في أيامنا هذه ، سمعت عبارة « السيّد الكبير » تطلق على محمد حسين فضل الله . ( 13 ) . كان هذا التراتب أوضح في المدن المقدسة في العراق حيث كان يقيم أكبر مجتهدي علماء الشيعة . ( 14 ) . أنظر مثلا : محمد جواد مغنية ، الوضع الحضاري في جبل عامل في مطلع الاستقلال ، دار الجواد ، بيروت ، 1984 ص 41 - 45 .